أتوجه إليكم بالحديث اليومانطلاقاً من قاعدة المصارحة والمكاشفة التي اعتمدناها على الدوام، وانطلاقاً من إدراكنالمسؤولياتنا وواجباتنا وحرصنا على الأمانة التي حملتمونا إياها، وإيماناً بالحق الراسخ لشعبنا في أن يسأل وأن يعرف وأن ينتقد وأن يحاسب.
أتحدث إليكم اليوم ونحن في خضماستحقاقات حاسمة وفي مواجهة تحديات صعبة، فمنذ شهور تتصاعد الممارسات الاحتلاليةالإسرائيلية ضد القدس ومواطنيها بوتائر وتكثيف لم يحدث منذ عقود، وأصبح هدمواحتلال البيوت وتشريد أصحابها، ومصادرة الأراضي وبناءً الوحدات الاستيطانية،ممارسة يومية تنفذ برنامج التطهير العرقي، وأصبح المسجد الأقصى المبارك، أولىالقبلتين وثالث الحرمين الشريفين هدفاً ثابتاً لحملة الاحتلال والمتطرفينالإسرائيليين. هذه الحملة التي تستهدف المقدسات الإسلامية والمسيحية من أجل تهويدالقدس العاصمة الخالدة لدولة فلسطين وإلغاء وجهها وهويتها العربية والإسلاميةالأصيلة.
لقد قلنا على الدوام ونقول اليومأن القدس هي بوابة ومفتاح السلام، وأكدنا باستمرار أن العبث بالمدينة المقدسة منقبل الاحتلال هو إذكاء لنيران التوتر والحروب في المنطقة والعالم. وإذ نُحييجماهير شعبنا في المدينة المقدسة وهم يتصدون مع أبناء شعبهم في كل مكان للهجمةالجديدة ضد الأقصى وضد القدس فإننا نؤكد تمسكنا بكل ذرة تراب، وكل حجر من القدسوأننا مصممون على الدفاع عن عاصمة فلسطين وعن الأقصى وعن كنيسة القيامة، وعلى دعم صمود أبناء شعبنا الشجعان. ونؤكد أنه لن يكون هناك أي اتفاق سلام لا يتضمن إنهاءالاحتلال الإسرائيلي للقدس.
يا أبناء شعبنا العظيم،
في الوقت الذي نخوض فيه معركةالدفاع عن القدس فإننا نخوض مواجهة ساخنة على صعيد عملية السلام، وإذ رحبنا ونرحببالتوجهات التي أعلنها الرئيس باراك أوباما، وإذ انخرطنا مع الإدارة الأميركية فيجهد متصل لترجمة هذه التوجهات إلى واقع، فإننا حافظنا وبثبات على منطلقات موقفناالذي حددته هيئاتنا القيادية.
وقد أكدنا على هذه المواقففي كل مكان، ولم نتأثر بالضغوط المتعددة الأشكال، ولم نحفل بالتهجمات والمهاترات،ولم نتخل عن دورنا ولم نسمح بأن يكون صوت فلسطين غائبا أو مغيبا عن أي محفل، بلأردناه أن يكون حاضراً وصريحاً وعالياً وشجاعاً يعبر ويدافع عن حقوقنا، متسلحينبإيماننا بقضيتنا وبثقة شعبنا. ومن هذا المنطلق طرحنا قبل اللقاء الثلاثي في نيويورك وخلال اللقاء وبعد اللقاء نفس الموقف، وأكدنا أمس للمبعوث الأمريكي السيدجورج ميتشل ونؤكد اليوم أننا إذ نتمسك بخيار السلام فإننا نؤمن بأن هذا يتطلبتوفير المتطلبات التي حددها المجتمع الدولي والرئيس أوباما لإعادة إطلاق عمليةالسلام والمفاوضات، وفي مقدمتها الوقف الشامل للنشاطات الاستيطانية في القدس وبقيةأرجاء الأراضي الفلسطينية، والتحديد الواضح لمرجعية عملية السلام بما يؤمن ووفقاللشرعية الدولية إنهاء الاحتلال والاستيطان وقيام دولة فلسطين المستقلة وحدودها هيحدود الرابع من حزيران 1967.
وقد لمسنا خلال الأسبوعين الماضيين تفهماً ودعماً لموقفنا لدى دول العالم التي تدرك عدم جدوى إطلاق المفاوضات في ظل استمرار الاستيطان، وتدرك عبثية التفاوض حول الحدود في حين يعمل الاحتلال على محاولة رسم وفرض الحدود التي تلبي أهدافه التوسعية، وعبر طرح مخطط الدولة ذات الحدود المؤقتة الذي رفضناه ونؤكد مجدداً رفضه، و وأصبحت هذه الدول تدرك أن أي عملية سلام محكومة بالفشل السريع ما دامت تفتقر لاتفاق حول مرجعياتهاوأهدافها وفق ما حدده المجتمع الدولي والشرعية الدولية.
أيتها الأخوات والإخوة،
في الوقت الذي نخوض فيه التحديات على جبهتي القدس والعملية السياسية، فإننا كنا وما زلنا نعمل بمثابرةوبكل جهد ممكن لأداء استحقاق المصالحة الوطنية لإنهاء الانقسام الذي فرضه الانقلابالظلامي في قطاع غزة الحبيب، ومن أجل استعادة وحدة الوطن أرضاً وشعباً ومؤسساتونظاماً سياسياً، ولإنهاء الحصار الجائر الذي يتعرض له شعبنا في غزة.
وقد تجاوبنا مع الجهدالمخلص الذي يقوم به الإخوة في الشقيقة مصر، وأبدينا كل الإشارات الايجابية،وقدمنا كل المواقف المزيلة للعوائق والمسهلة لتقدم الحوار الوطني، رغم كل الممارسات التي يشهدها القطاع، وقلنا ونقول اليوم أننا نؤمن بحل الأزمة عبر طريق واحد هو الاحتكام إلى الشعب والعودة إلى صناديق الاقتراع. وهذا الموقف ينبع من حرصنا على حماية قانوننا الأساسي، ومن إيماننا العميق برفض الاحتكام للسلاح، وبرفض الممارسات الدموية والانقلابية في العمل الوطني، ومن تمسكنا بالخيار الديمقراطي والانتخابات كركيزة أساسية لنظامنا السياسي ولتداول السلطة.
أيتها الأخوات والإخوة،
يا أسرانا الأبطال فيالمعتقلات،
يا أبناء شعبنا في الوطنوالشتات والمنافي،
إن دفاعنا عن المصالح الوطنيةالعُليا يستند على الدوام إلى قاعدة استثمار كل فرصة ممكنة، لتعظيم التأييد الدولي لمواقفنا وحقوقنا ولمحاصرة الاحتلال وسياساته، ولتفعيل دور الهيئات الدوليةوالقانون الدولي في التعاطي مع قضيتنا، مع إدراكنا العميق لمحدودية وقيود لا يمكنتجاهلها في هذا المجال، نتيجة التوازنات في الواقع السياسي الدولي وطبيعة تركيبوقوانين الهيئات الدولية.
وعندما تحركنا في عواصم العالموفي مجلس الأمن الدولي لوقف العدوان الوحشي على أبناء شعبنا في قطاع غزة قبل شهور،فقد شددنا على البعد غير المسبوق في حجم ونوعية وكثافة الجرائم التي ارتكبت ضدمواطنينا، والتدمير الذي مورس بوحشية ضد بيوت المواطنين الآمنين والمساجد والمدارسوالمستشفيات والبنية التحتية والمزارع ومنشآت الأمم المتحدة.
لم نأبه للضغوط، وكنا أولمن بادر للاتصال بالمحكمة الجنائية الدولية، فذهب وزيرا الخارجية والعدل لإثارةموضوع جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة مع القاضي اوكامبو. كما عملنا بمثابرة فيمجلس حقوق الإنسان لتشكيل لجنة للتحقيق، ورحبنا بقرار تشكيلها برئاسة القاضي غولدستون، وأبدينا الاستعداد الكامل لمساعدتها في عملها وفي تنفيذ توصياتها، وكناسباقين في الترحيب بتوصيات اللجنة والمطالبة بتطبيقها. وقد عملنا على صياغة مشروعقرار بهذا الخصوص ليتم تقديمه إلى مجلس حقوق الإنسان عبر الدول الشقيقة والصديقةالتي تتمتع بعضوية المجلس، يدعم تنفيذ توصيات اللجنة، وبذلنا جهودا كبيرة، وقمناباتصالات مكثفة لحشد أوسع تأييد لمشروع القرار من المجموعات العربية والإسلاميةوالإفريقية، ومجموعة دول عدم الانحياز، وبقية الدول الأعضاء.
وقد قوبل مشروع القرارالمقترح بمواقف تراوحت بين الرفض الكامل أو الجزئي أو التحفظ أو عدم تبني موقف واضح، من قبل عدد من الدول الرئيسة في العالم ودول أخرى أعضاء في المجلس الذي يضم47 دولة منها ست دول عربية، ليست فلسطين إحداها. وقد رفضنا بشدة تعديلات وتحفظات،اقترحت لشطب أو تغيير فقرات في مشروع القرار، قدمت من قبل الولايات المتحدة ودولالاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي والصين ودول أخرى من مختلف القارات، لأننااعتبرنا أن هذه التعديلات والتغييرات والتحفظات تفرغ مشروع القرار من جدواه العملية، في توفير آليات لتنفيذ توصيات اللجنة ما يضمن محاسبة منفذي جرائم الحرب ضد شعبنا، وخلق مناخ وواقع قانوني دولي يردع المعتدين ويوفر فرصا أفضل لحمايةشعبنا.
ولم يكن هدفنا ضمن هذاالجهد المتصل تسجيل فرقعة إعلامية، فنحن نُدرك مسؤولياتنا وواجباتنا. كما أنقناعتنا ومنهجنا أن تضحيات شعبنا وشهدائه ودمائه أقدس من أن نجعلها سلما لتحقيقمكاسب فئوية ضيقة، وأن قضية شعبنا أجل من أن نستغلها في المناكفات العبثيةالرخيصة.
وقد أردنا تجنب الوصول إلى وضع لا يحظى فيه مشروع القرار بالأصوات اللازمة لتمريره في المجلس، أو أن يتم دفن هذاالقرار في المحافل الدولية أو بجعله مجرد رقم يضاف إلى سلسلة القرارات غير المنفذةفي سجل القضية الفلسطينية. ورفضنا ضغوطات شرسة أرادت سحب الموضوع من جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان.
وفي ظل تقديرات ومعطيات حول عدم توفر التأييد المتوقع واللازم لإنجاح مشروع القرار تم تأجيل المناقشة إلىالدورة القادمة لمجلس حقوق الإنسان بعد أن أصبح مشروع القرار الذي قمنا بصياغته وثيقة رسمية لها رقم رسمي في سكرتارية المجلس.
أيتها الأخوات والإخوة،
يا أبناء شعبنا الشجاع،
لقد تعودتم مني على الصراحةوالمكاشفة، ولقد آمنت دائماً بواجبي في أن أُصارح شعبنا في كل المحطات بالموقفالمسؤول، ومن حق شعبنا أن يعرف وأن ينتقد. كما أنني آمنت دائما بأن المسؤول المنتخب والمُؤتمن من قبل شعبه يجب أن يتحمل مسؤوليته أمام شعبه، وخلال الأيام الماضية أصغيت باهتمام شديد إلى تفاصيل الجدل الصاخب الذي دار حول تأجيل بحث تقريرغولدستون، وأنا احترم وأتفهم وأقدر وجهات النظر والآراء مهما كانت غاضبة التي عبرتعنها فصائل منظمة التحرير ومؤسسات ونشطاء المجتمع المدني وصناع رأي عام ومواطنونعاديون لأنني أُدرك أن دوافعها المخلصة تتمثل في حماية قضيتنا وفي محاسبة المعتدين ومنفذي جرائم الحرب.
وفي ظل التغييب القسري للمجلس التشريعي نتيجة الانقلاب فإن دور المجتمع المدني بقواه ومنظماته وهيئاته يكتسب أهمية أكبر.
وفي الوقت نفسه لم أكترثبالمهاترات التي انحدرت إلى مستوى غير مسبوق من قبل حركة ' حماس' وبعض القوى وبعضوسائل الإعلام، ورفضنا ونرفض الانزلاق إلى هذا المستنقع المسمم لقيم وتقاليد عملناومسيرتنا الوطنية، فنحن لا نأخذ شهادات الإيمان والوطنية من أحد، بخاصة من قبلحركة 'حماس' التي رفضت وأدانت وشككت بالقاضي غولدستون وبتقريره قبل وبعد صدوره.
غير أننا نُدرك جميعاً الآن أنهذه الحملة كشفت عن أهدافها الحقيقية في التهرب من استحقاقات توقيع اتفاق المصالحةالوطنية لضمان استمرار انقسام الوطن والشعب ولتكريس الإمارة الظلامية في القطاع،وفي مواصلة ضرب وتشويه المشروع الوطني بهدف تدميره لصالح مشروع مشبوه يقدم أوراقاعتماد ويتساوق مع مخططات إسرائيل لإضعاف وتقويض السلطة الفلسطينية، ويتساوق مع توجه ومخططات إسرائيل لإقامة الدولة ذات الحدود المؤقتة بالحديث عن هدنة طويلة الأمدتشطب قضيتي القدس واللاجئين، ويخدم مخططات صرف الأنظار عن معركة القدس ومواجهةالاستيطان. وهو مشروع يضع مصلحة التنظيم الضيقة فوق مصلحة الوطن وفوق مصلحة الشعب،الذي تركوه يواجه آلة الحرب الإسرائيلية الوحشية في غزة وحيدا بينما اختبئوا في الأقبية.
أيتها الأخوات والإخوة،
من موقع المسؤولية ومن موقع الوفاء للأمانة التي أحملها أقول إن قرار التأجيل قد جاء بناءً على توافقمختلف المجموعات في لجنة حقوق الإنسان بصرف النظر عن إنكار الكثيرين وبعد دراسةالموقف من جميع جوانبه ولتوفير أكبر عدد من المؤيدين للمشروع مستقبلاً، وكذلك حتىنُحقق الهدف ونحول دون تفريغ مشروع القرار من مضمونه السياسي. ولا أريد هنا الدخولفي تفاصيل مجريات الأمور ومواقف الدول والمجموعات فهذا متروك للجنة التحقيق التيأمرتُ بتشكيلها لدراسة الملابسات لما حدث في جنيف، والتي سنلتزم بنتائج أعمالها.وأُؤكد هنا انه إذا وجدت اللجنة أي خطأ قد وقع بالنسبة للتأجيل فلدينا من الشجاعةلتحمل المسؤولية والقول بأننا قد أخطأنا.
ومع ذلك فأنني قد أعطيت تعليماتي إلى سفيرنا في جنيف للاتصال بدول المجموعات المعنية لعقد اجتماع استثنائيلمجلس حقوق الإنسان من أجل بحث التقرير والتصويت عليه. وكذلك لسفيرنا في الأمم المتحدة للتحرك على صعيد مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لنفس الهدف وفينفس الاتجاه وحتى آخر الشوط، وصولاً إلى معاقبة كل من ارتكب أبشع الجرائم ضدأطفالنا ونسائنا ورجالنا بخاصة في قطاعنا الحبيب.
أيتها الأخوات أيها الإخوة،
نحن في ذروة صراع محتدم أعلنه الإسرائيليون لتهويد القدس ولتقويض هدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلةالذي يحظى بدعم وإجماع دولي، وفي هذا الصراع علينا أن نسعى لتعزيز وحدة صفوفنا،وسنواصل التمسك بحقوقنا والدفاع عنها والنضال من أجلها.وكما قال قائدنا المؤسس الشهيد ياسر عرفات فسيأتي اليوم الذي سيقوم فيه شبل أو زهرة من أبناء شعبنا برفععلم فلسطين، علم الدولة المستقلة فوق مآذن وقباب وأسوار القدس.